الشيخ السبحاني
95
الموجز في أصول الفقه
حتى رأسها ، ومثل قوله سبحانه : كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ ( البقرة / 187 ) . وأمّا العاطفة فهي خارجة عن البحث ، لأنّ الغاية فيها داخلة تحت حكم المغيّى قطعا ، كما إذا قال : مات الناس حتى الأنبياء ، فإنّ معناه أنّ الأنبياء ماتوا أيضا ، والغرض من ذكر الغاية هو بيان أنّه إذا كان الفرد الفائق على سائر أفراد المغيّى ، محكوما بالموت فكيف حال الآخرين ، ونظيره القول المعروف : مات كلّ أب حتى آدم . إذا عرفت ذلك فالحقّ هو القول الأوّل ، أي عدم دخول الغاية في حكم المغيّى أخذا بالتبادر في مثل المقام ، قال سبحانه : تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ( القدر / 4 و 5 ) فإنّ المتبادر منه أنّ النزول أو السلام إلى مطلع الفجر لا فيه نفسه ولا بعده ، وكقول القائل : قرأت القرآن إلى سورة الإسراء ، فإنّ المتبادر خروج الإسراء عن إخباره بالقراءة ، فإن تمّ ما ذكرنا من التبادر فهو ، وإلّا فالقول الرابع هو الأقوى من أنّه لا ظهور لنفس التقييد بالغاية في دخولها في المغيّى ولا في عدمه . الجهة الثانية : في مفهوم الغاية والظاهر دلالة الجملة على ارتفاع الحكم عمّا بعد الغاية وحتى عن الغاية أيضا إذا قلنا بعدم دخولها في حكم المغيّى ، لأنّ المتفاهم العرفي في أمثال المقام هو تحديد الواجب وتبيين ما هو الوظيفة في مقام التوضّؤ ، ويؤيد ما ذكرنا تبادر المفهوم في أكثر الآيات الواردة فيها حتى الخافضة كقوله سبحانه : كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ ( البقرة / 187 ) وقال : وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ( البقرة / 193 ) فانّ المتبادر منها هو حصر الحكم إلى حدّ الغاية وسريان خلافه إلى ما بعدها .